- التفريق بين الدين وتطبيق المسلمين له:
وفي طريقنا لدعوة الناس إلى الإسلام، هنالك حقيقة لا تقبل الجدل، ولا يختلف فيها أصحاب البصائر والفطن، وهي أنّ الدين الذي أنزله الله تعالى على الأنبياء شيء، وتطبيقات الأُمم له خلال العصور شيء آخر، فالدين المنزل من الله سبحانه بصائر معصومة، ونهج سديد، لا خلل فيه ولا شك ولا ريب: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (البقرة/ 2).
أمّا التطبيقات البشرية، فيكتنفها الكثير من الجهل والخطأ والهوى والعجز والتقصير، إنّها في أحسن الأحوال لا تعدو أن تكون محاولات واجتهادات وتطبيقات يعتورها النقص، فهي ليست حجّة علينا للإهتداء بها أو السير على نهجها، ولذلك فإنّ الجمود عليها جمود على نسبة من الخطأ والجهل والعجز والتقصير مهما كانت ضئيلة، وإنّ التحجر عليها لا يؤدي إلا إلى التخلف، فلابدّ إذن من التفريق الواضح بين الدين والتراث، وأن نعلم أنّ الدين للإتّباع، وأنّ التراث للإسترشاد، بلا تقديس ولا تبخيس.
الخطاب الإسلامي المنشود لابدّ له أن ينطلق من ركائز جامعة.. تحيط بالمطلوب وتستوفي المنشود، وأهم هذه الركائز يتمثل في الآتي:
1- ربانية المصدر والغاية: فالخطاب الإسلامي يجب أن يكون ربانياً في مبدئه ومصدره، من الله يصدر وإليه ينتهي، كما يجب أن يكون ربانياً في غايته ووجهته، يرمي إلى أن يعرف الإنسان لوجوده غاية ولمسيرته وجهة ولحياته رسالة، فيجتمع شتيته ويأتلف شعثه ويتوحّد همّه ويطمئن قلبه.
2- عالمية الوجهة: فالخطاب الإسلامي عالمي المنزع والوجهة، لا يحفل بجنس ولا يتحيز لعرق، ولا يتكتل في لون، ولا ينكفئ على صفوة من الناس مختارة، بل هو خطاب للناس جميعاً على اختلاف مستوياتهم وأجناسهم.
3- إنسانية المنطلق: فالنزعة الإنسانية هي لحمة الخطاب الإسلامي وسداته، ويكفي للدلالة على ذلك أن لفظة "الإنسان" تكررت في القرآن (63) مرّة، ولفظة "بني آدم" تكررت (6) مرّات، وكلمة "الناس" تكررت (240) مرّة، وأوّل نداء في القرآن كان نداء للناس كافة (يا أيُّها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة/ 21)، كما أنّ أوّل خمس آيات نزلت من القرآن (من سورة العلق) ذكرت لفظة "الإنسان" في إثنتين منها (اقرأ باسم ربّك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربّك الأكرم * الذي علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم).
4- وسطية المنهج: الخطاب الإسلامي يراعي التوازن بين العقل والوحي، وبين المادة والروح، بين الحقوق والواجبات، بين الفردية والجماعية، بين الإلهام والإلتزام، بين النص والإجتهاد، بين الواقع والمثال، بين الثابت والمتحول.
5- إيجابية البناء: وهي نقيض السلبية التي لا ترى الدين أكثر من عقيدة في الصدور، وعلم في السطور، وتمائم في النحور، وعظماء في القبور، وتقصيه عن أن يكون منهج حياة، ودافع بقاء، وباعث عمارة، ومنشئ حضارة.